محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

274

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قال أبو هاشم الزاهد ، رضي اللّه عنه : « إن اللّه وسم الدنيا بالوحشية ؛ ليكون أنس المريدين به دونها ، وليقبل المطيعون إليه بالإعراض عنها ، وأهل المعرفة باللّه من الدنيا مستوحشون ، وإلى الآخرة مشتاقون » وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى الدنيا تضيّقي وتشددي على أوليائي ، وترفّهي وتوسعي على أعدائي : تضيّقي على أوليائي حتى لا يتعرفوا بك عني ، وتوسعي على أعدائي حتى يشتغلوا بك عني ، فلا يتفرغوا لذكري . علم أنك لا تقبل النصح المجرد فذوّقك من ذواقها ما يسهّل عليك وجود فراقها . النصح المجرّد لا يقبله إلّا من لم يستحكم فيه حبّ العاجلة والأنس بلذاتها الفانية ، وكان كريم الطبع سهل القياد وأمّا من رسخت فيه تلك الخبائث ، وتمكنت من باطنه ، وكان لئيم السجيّة صعب المقادة ، فلا بد في قصد هدايته وإرشاده من زيادة على النصح والوعظ ، وهو : وجود ما يقهره ويجبره ، وليس ذلك إلا ما ذكرناه ، فاعرف قدر النعمة عليك بذلك ، واعمل بمقتضاها ، وسلّم لربك في حكمته وقدرته وحسن ظنّك به . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( من لم يقبل على اللّه بملاطفة الإحسان قيّد إليه بسلاسل الامتحان ) . العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه ، وينكشف به عن القلب قناعه . العلم النافع هو العلم باللّه تعالى وصفاته وأسمائه ، والعلم بكيفية التعبّد له والتأدب بين يديه ، فهذا هو العلم الذي ينبسط في الصدر شعاعه فيتسع وينشرح للإسلام ، ويكشف عن القلب قناعه فتزول عنه الشكوك والأوهام . وفي حكمة داود ، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، « العلم في الصدر كالمصباح في البيت » . وقال محمد بن علي الترمذي ، رضي اللّه عنه : « العلم النافع هو الذي تمكن في الصدور وتصور ، وذلك أن النور إذا أشرق في الصدور تصوّرت الأمور حسنها وسيئها ، ووقع بذلك ظل في الصدور فهو صورة الأمور فيأتي حسنها ويجتنب سيئها ، فذلك العلم النافع من نور القلب خرجت تلك العلائم إلى الصدور ، وهي علامات الهدى . والعلم الذي قد تعلمه ، فذلك علم اللسان ، إنما هو شيء قد استودع الحفظ ، والشهوة غالبة عليه قد أطاحت به وأذهبت بظلمتها ضوءه . وقال أبو محمد عبد العزيز المهدوي ، رضي اللّه عنه : « والعلم النافع هو : علم الوقت ، وصفاء القلب ، والزهد في الدنيا ، وما يقرب من الجنة وما يبعد عن النار ، والخوف من اللّه والرجاء فيه . وآفات النفوس ، وطهارتها ، وهو النور المشار إليه أنه نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء دون علم اللسان والمنقول والمعقول .